ماكس فرايهر فون اوپنهايم
175
من البحر المتوسط إلى الخليج
بعقيدته الإسلامية « 1 » . وعلى أي حال فقد ظل في الصراعات الداخلية الكثيرة ، التي هزت لبنان في فترة حكمه ، يعتمد بشكل ممتاز على الموارنة . وكان بشير رجلا ظالما لا يتورع عن استعمال العنف ضاعف ثروته عن طريق الاستيلاء على أراضي الغير ، ليس فقط أراضي خصومه بل وأراضي أقربائه أيضا . إضافة إلى ذلك احتكر مواد استهلاكية مختلفة كالحرير والصابون وغيرهما . ويقال بأنه لم ينظر أبدا إلى امرأة غريبة ولم يضحك أبدا ولم يتلفظ أبدا بكلمة نابئة أو شتيمة ، لكنه أمر مرارا وتكرارا بقتل كثير من الناس وتعريضهم لأبشع أنواع التعذيب . عندما أصبح بشير ، بعد اغتيال يوسف ، حاكما معترفا به في لبنان رأى أنه من الأنسب أن يقيم علاقة جيدة مع الشيخ بشير جنبلاط الذي أصبح بعد إخضاع اليزبكيين أقوى رجل في لبنان وقائد الدروز اللبنانيين . لكن الجزار ، الذي لم تكن له بأي حال مصلحة في قيام علاقات منظمة في لبنان ، رأى نفسه مضطرا إلى محاربة البشيرين . وعندما جاء الأمير بشير إلى عكا لكي يتسلم قلادة الحكم رافقه الشيخ بشير جنبلاط فاعتقل الاثنان في وقت واحد وألقيا في السجن عشرين شهرا « 2 » . لكن الشهابي عرف وهو في السجن كيف يستغل جشع الجزار ويجعله يعيده إلى منصبه . وبعد ذلك تمكن بشير وصديقه جنبلاط من التغلب على ابن عم يوسف شهاب ، الذي كان في هذه الأثناء قد تولى بالقوة دور الأمير الأكبر ، وقتله خنقا . والآن حكم بشير في لبنان عشرة أعوام تقريبا دون خصم يستحق الذكر . في هذه الفترة جاءت حملة نابليون إلى مصر وسورية . لم يتخذ بشير قرارا بالوقوف
--> ( 1 ) ما زال الناس حتى اليوم يتحدثون عن وجود ممر تحت الأرض في قصر بيت الدين كان يؤدي من الحمام إلى الكنيسة المارونية الموجودة خارج حديقة القصر . كان الناس في لبنان يقولون في منتصف هذا القرن إن الأمير بشير ولد مسيحيا وعاش مسلما وتوفي درزيا . ( انظر جيرار نرفال ، مجلة العالمين ، الجزء 18 ، باريس 1847 م ، ص 639 ) . وهناك قصة طريفة معبرة تقول أن مارونيا ومسلما ودرزيا اختلفوا حول عقيدة الأمير بشير فقرروا سؤال الأمير نفسه . فما كان منه إلا أن أمر بمعاقبتهم « بالفلقة » ( الجلد على أسفل القدمين ) بسبب فضولهم الزائد ؛ انظر رأي ، رحلة في سورية ، باريس 1862 م ، ص 73 وما بعدها . ( 2 ) انظر برييه ، سورية تحت حكم محمد علي حتى عام 1840 م ، باريس 1842 م ، ص 330 .